محمد أبو زهرة

32

زهرة التفاسير

والغزالي أجاز التفسير بالرأي ، وفتح الباب ، ولكن قبل أن نقدم إسناده من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة نحرر رأيه ، فهو : أولا : لا يهمل السنة ولا آثار الصحابة وأقوالهم ، ويقرر أن ما أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة بسند صحيح لا تصح مخالفته ، ويجب الأخذ به . ثانيا : لا يفتح الباب على مصراعيه لكل من يرى رأيا فيفسر القرآن برأيه ، بل يجب أن يكون عنده علم اللغة ، وعلم القرآن ، وعلم السنة ، لكيلا يقول على الله تعالى بغير علم . وإن الفهم في كتاب الله تعالى باب متسع لكل من عنده أداة الفهم لعلم القرآن ، ويستدل على ذلك بنصوص من القرآن والسنة وأقوال الصحابة : ( أ ) إن القرآن الكريم فيه كل علوم الدين بعضها بطريق العبارة ، وبعضها بطريق الإشارة ، وبعضها بالإجمال ، وبعضها بالتفصيل ، وإن ذلك يحتاج إلى التعمق في الفهم ، والاستبصار في حقائقه . وذلك لا يكفى فيه الوقوف عند ظواهر التفسير التي تجىء على ألسنة بعض السلف ، بل لا بد من التعمق ، واستخراج المعاني ما دامت لا تخالف صريح المأثور ، ولكنها أمور تسير وراءه ، وعلى ضوئه وعلى مقتضى هديه ؛ ولذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « من أراد علم الأولين والآخرين ، فليتدبر القرآن » وإن ذلك لا يكون بغير التعمق في الفهم والتعرف بالإشارة للمرائي البعيدة والقريبة من غير اقتصار على ظاهر النصوص . ( ب ) إن في القرآن بيان صفات الله سبحانه وتعالى ، وذكر ذاته القدسية وأسمائه الحسنى ، وإن معرفة ذلك مع التنزيه وعدم المشابهة للحوادث يحتاج إلى تدبر وبيان ليعرف القارئ لكتاب الله تعالى أنه سبحانه وتعالى منزه نزاهة مطلقة عن المشابهة للحوادث . ( ج ) إنه قد وردت آثار كثيرة تدعو إلى الفهم والتدبر ، فقد قال على - كرم الله وجهه - : « من فهم القرآن فسّر به جمل العلم » ، وقال رضي الله عنه : « ما